الشيخ عبد الغني النابلسي
89
كتاب الوجود
صورة غير صورته التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ باللّه منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا عرفناه ، فيأتيهم اللّه تعالى في صورته التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فيتبعونه . . . » إلى آخر الحديث الطويل « 1 » . وقوله : فيتبعونه « 2 » ؛ أي يتبعونه من حيث ما صوره في خيالهم وحضروه في عقولهم ، وهم الفرقة الخيالية التي ذكرناها كما اتبع من يعبد الشمس الشمس ، ومن يعبد القمر القمر ، ومن يعبد الطواغيت الطواغيت ، وهؤلاء الذين ينكرونه في غير الصورة التي يعرفون ، ويتعوذون منه هم المنافقون الذين في هذه الأمة كما ذكر في الحديث « 3 » ، لا أنهم جميع الأمة ، حتى يكون شاملا لمن عرفه تعالى في جميع الصور ، وعلم أنه يمكن التجلي في الدنيا والآخرة بكل شئ على معنى ما نذكره من ظهور الوجود الحق القديم تجميع الموجودات الحادثة على ما لا يخفى ، واللّه بصير بالعباد ، فإن قال قائل : نحن لم نعتقد أن الصورة التي تصورناها في عقولنا للّه بسبب ضرورة علمنا باللّه تعالى ، أو حكمنا عليه بالتنزيهات والأفعال أنها هي اللّه تعالى عندنا ، حتى يكون ذلك منا عبادة للصورة « 4 » ؛ وإنما نحن نعبد اللّه الذي هو غيب عنا الذي نعلمه بتلك الصورة ، أو
--> ( 1 ) أخرجه مسلم [ 299 - ( 182 ) ] ، كتاب الإيمان ، 81 - باب معرفة طريق الرؤية . ( 2 ) وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فيتبعونه » فمعناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة ، أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة ، واللّه أعلم . [ انظر : النووي في شرح مسلم ( 3 / 19 ) ] . ( 3 ) قال النووي : اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين : أحدهما - وهو مذهب معظم السلف أو كلهم - أنه لا يتكلم في معناها ، بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ، ونعتقد لها مغنى يليق بجلال اللّه تعالى وعظمته ، مع اعتقادنا الجازم أن اللّه تعالى ليس كمثله شيء ، وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة ، وعن سائر صفات المخلوق . وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين ، واختاره جماعة من محققيهم ، وهو أسلم . [ شرح مسلم للنووي ( 3 / 18 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ] . ( 4 ) تأويل الحديث عند معظم المتكلمين ، ويقصد بهم فلاسفة المتصوفة وغيرهم ، فقد قال النووي : « ومذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها ؛ وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع ، ذا رياضة في العلم ، فعلى هذا المذهب يقال في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فيأتيهم اللّه » أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه ؛ لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان ، فعبر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا ، وقيل : الإتيان فعل من أفعال اللّه تعالى » . [ انظر : شرح مسلم للإمام النووي ( 3 / 18 ) ] .